الشيخ عبد الغني النابلسي

257

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

عليها رطبا من التمر جنيا ، أي نضيجا من غير فحل لتلك النخلة ولا تذكير ، أي تلقيح وهو تأبير النخل لأجل الحمل ، ومن عادته أنه لا يثمر إلا بعد ذلك . كما ولدت مريم عليها السلام عيسى عليه السلام من غير فحل لها ولا ذكر وهي عذراء بتول لا زوج لها عليها السلام ولا جماع عرفي معتاد بإيلاج وإنزال ، وإنما جاءها جبريل عليه السلام في صورة بشر سوي كما كان يأتي النبي صلى اللّه عليه وسلم في صورة دحية الكلبي الذي هو أجمل أهل زمانه ليباسطه في الوحي إليه فنفخ في فرجها فحملت بعيسى عليه السلام ، فكان النفخ في ساعة والحمل في ساعة والوضع في ساعة ، ثم جاءت به قومها تحمله فأعابوا عليها واتهموها ، فأشارت إليه فنطق وهو صغير في المهد ببراءتها . لو قال نبي من الأنبياء عليهم السلام آيتي ، أي الأمر الذي جئت به خارقا للعادة دليلا على صدق دعواي النبوة ومعجزتي على ذلك أن ينطق هذا الحائط فنطق ذلك الحائط وقال في نطقه لذلك النبي مثلا تكذب ما أنت برسول اللّه تعالى ولا نبيه لصحت الآية ، أي المعجزة الخارقة للعادة الدالة على صدقه في دعواه النبوّة وثبت بها ، أي بتلك الآية أنه ، أي ذلك النبي رسول اللّه ، لأن المعجزة نطق الحائط وقد حصلت لا معنى ما نطق به من الكلام ولم يلتفت بالبناء للمفعول إلى معنى ما نطق به ذلك الحائط من التكذيب لذلك النبي فلما دخل هذا الاحتمال في كلام عيسى عليه السلام بإشارة أمه مريم عليها السلام إليه وهو صغير في المهد ، فاحتمل أن يكون الخارق للعادة المقصودة هو نطقه مع صغره جدا ، وقد حصلت البراءة بذلك ، ويحتمل أن الخارق للعادة في مضمون كلامه أيضا ، ومعلوم أن العصمة إنما تقررت له عند الغير في زمان نبوّته ودعواه الرسالة لا في حال صغره وكونه في المهد . كان سلام اللّه تعالى على يحيى عليه السلام أرفع رتبة من سلام عيسى عليه السلام على نفسه من هذا الوجه المذكور فموضع الدلالة من مضمون كلامه عليه السلام وهو في المهد على صدق عبوديته للّه تعالى وبطلان ما يدعيه الجاهلون في حقه قوله أنه عبد اللّه وهي دعوى ظاهرة لا تحتاج إلى إثبات ، فإنه عبد اللّه بلا شبهة ، وذلك القول من أجل ما قيل فيه من الجاهلين به أنه ابن اللّه تعالى عن ذلك علوا كبيرا . وفرغت الدلالة منه بمجرد النطق الذي أتى به وأنه ، أي عيسى عليه السلام بلا شك عبد اللّه عند الطائفة الأخرى العارفين به عليه السلام وهم